سلط المحلل السياسي الإسرائيلي المتخصص في الشؤون العربية، جاكي حوجي، الضوء على خلفيات الطفرة التسليحية الضخمة للجيش المصري، مؤكدًا أن التساؤل المباشر الذي وجهه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لـ (قائد الانقلاب) عبد الفتاح السيسي في إحدى المكالمات الثنائية: "لماذا تتسلحون؟"، يمثّل لغزًا يؤرق الكثير من النخب والأوساط الأمنية داخل إسرائيل.

 

وقدم حوجي قراءة تفصيلية للأسباب الحقيقية التي تدفع مصر لتطوير ترسانتها العسكرية، موضحًا أنه على الرغم من أن إسرائيل تعد حليفًا أمنيًا وتنسيقيًا استراتيجيًا لمصر في الوقت الراهن (وهو ما أثبتته أزمة الحرب في غزة)، إلا أن النظرة من القاهرة ترى في إسرائيل "مجتمعًا عسكريًا مجندًا بالكامل" يضع الأمن في مقدمة موازناته قبل التعليم، ويعتمد تاريخيًا وبصورة مفرطة على استخدام القوة العسكرية الخشنة عوضًا عن الخيارات الدبلوماسية والمجرى السياسي.

 

وتدرك القاهرة جيدًا أن الحكومة الإسرائيلية الحالية لن تهاجم مصر، لكن "عالمنا مليء بالمتغيرات"؛ إذ يسود مصر مخاوف حقيقية من سيناريوهات المستقبل في حال نجح اليمين المتطرف بقيادة أسماء مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتامار بن غفير في قيادة الحكومات الإسرائيلية القادمة.

 

وتتوجس الدوائر السياسية في المنطقة من التصريحات المتطرفة التي تصدر من بعض الوزراء والمسؤولين في تل أبيب والذين يرددون علنًا أن "الأردن هو الدولة الفلسطينية المستهدفة"، مما يعني في الحسابات الاستراتيجية إمكانية إقدام تلك التيارات مستقبلاً على خطوات عشوائية تمس أمن دول الطوق وتدفع بالمنطقة نحو الهاوية الفوضوية.

 

 

هوس صدمة عام 2011 وغياب الضمانات الإقليمية

 

يربط التحليل بين رغبة النظام المصري في امتلاك جيش قوي مرعب، وبين الصدمة التاريخية التي عاشتها البلاد عقب إطاحة الرئيس الأسبق حسني مبارك في عام 2011، وما تلاها من اضطرابات، وموجات عنف وشقاق كادت تعصف بكيان الدولة.

 

واكتشف الذين يمسكون بزمام الأمور في القاهرة أن القوى الإقليمية والمحيطة لا يمكن اتخاذها كـ "سند أو حليف مضمون"، بل إن بعض الدول والظروف قد تساهم في إذكاء نيران المخاطر والتهديدات؛ ومن ثم فإن القوة العسكرية الذاتية الضخمة هي الدرع الوحيد القادر على حماية استقرار وتماسك الدولة وصيانة أمنها القومي ضد المتغيرات المفاجئة والتدخلات الخارجية.

 

 

عقيدة "الجيش الشبعان هو جيش منظم"

 

وتطرق حوجي لزاوية بالغة الأهمية تتعلق بـ "العقيدة الإدارية والأمنية" في منطقة الشرق الأوسط؛ حيث أشار إلى أن المؤسسة العسكرية في دول المنطقة ليست مجرد جهة دفاعية لحماية الحدود، بل هي الركيزة الأساسية الضامنة لاستقرار بقاء الدولة والنظام الحاكم وقوته.

 

ولأجل الحفاظ على ولاء وضبط طواقم القيادات العليا والوسطى داخل الجيش، يتعين على الشق السياسي ضخ موازنات مالية سخية، وتزويد الضباط بأحدث "الألعاب والترسانات العسكرية المتطورة في العالم" وضمان رواتب وميزات معيشية رفيعة المستوى؛ انطلاقاً من قاعدة أثبتتها التجارب بأن "الجيش الشبعان والمجهز جيداً هو جيش منضبط ومخلص تماماً لنظامه الحاكم".

 

واختتم التحليل بالإشارة إلى أن معاهدات السلام المبرمة بين إسرائيل وكل من مصر والأردن أثبتت صلابتها الاستثنائية إبان الحرب الطاحنة في غزة؛ حيث حافظ الأردن على حدود هادئة، بينما نجحت مصر – على الرغم من الأضرار المالية والمخاوف العميقة – في الحفاظ على استقرار كامل لسيناء وتنسيق الخطوات الحساسة بمهنية تامة، مما يجعل الحفاظ على هذه الشراكة التاريخية مصلحة حيوية لتل أبيب.

https://www.maariv.co.il/news/opinions/article-1380277